ابن الأثير
163
أسد الغابة
نشأ له عبد الله وامتنع من بيعة يزيد بن معاوية بعد موت أبيه معاوية فأرسل إليه يزيد مسلم بن عقبة المري فحصر المدينة وأوقع بأهلها وقعة الحرة المشهورة ثم سار إلى مكة ليقاتل ابن الزبير فمات في الطريق فاستخلف الحصين بن نمير السكوني على الجيش فسار الحصين وحصر ابن الزبير بمكة لأربع بقين من المحرم سنة أربع وستين فأقام عليه محاصرا وفى هذا الحصر احترقت الكعبة واحترق فيها قرنا الكبش الذي فدى به إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى الله عليهما ودام الحصر إلى أن مات يزيد منتصف ربيع الأول من السنة فدعاه الحصين ليبايعه ويخرج معه إلى الشام ويهدر الدماء التي بينهما ممن قتل بمكة والمدينة في وقعة الحرة فلم يجبه ابن الزبير وقال لا أهدر الدماء فقال الحصين قبح الله من يعدك داهيا أو أريبا أدعوك إلى الخلافة وتدعونني إلى القتل وبويع عبد الله بن الزبير بالخلافة بعد موت يزيد وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان وجدد عمارة الكعبة وأدخل فيها الحجر فلما قتل ابن الزبير أمر عبد الملك بن مروان أن تعاد عمارة الكعبة إلى ما كانت أولا ويخرج الحجر منها ففعل ذلك فهي هذه العمارة الباقية وبقى ابن الزبير خليفة إلى أن ولى عبد الملك بن مروان بعد أبيه فلما استقام له الشأم ومصر جهز العساكر فسار إلى العراق فقتل مصعب بن الزبير وسير الحجاج بن يوسف إلى الحجاز فحصر عبد الله بن الزبير بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وحج بالناس الحجاج ولم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ونصب منجنيقا على جبل أبى قبيس فكان يرمى الحجارة إلى المسجد ولم يزل يحاصره إلى أن قتل في النصف من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وسبعين قال عروة بن الزبير لما اشتد الحصر على عبد الله قبل قتله بعشرة أيام دخل على أمه أسماء وهي شاكية فقال لها ان في الموت لراحة فقالت له لعلك تمنيته لي ما أحب ان أموت حتى يأتي على أحد طرفيك اما قتلت فأحتسبك واما ظفرت بعدوك فتقر عيني فضحك فلما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها فقالت له يا بنى لا تقبلن منهم خطة تخاف فيها على نفسك الذل مخافة القتل فوالله لضربة بسيف في عز خير من ضربة بسوط في ذل وخرج على الناس وقاتلهم في المسجد وكان لا يحمل على ناحية الا هزم من فيها من جند الشأم فأتاه حجر من ناحية الصفا فوقع بين عينيه فنكس رأسه وهو يقول ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدم